حماس وغزة بعد الحرب.. هل تتغير المعادلة؟

ألحقت العمليات العسكرية الإسرائيلية أضراراً واسعة بالبنية العسكرية لحركة حماس، وأدت إلى مقتل عدد من قادتها ومقاتليها، إلا أن تراجع قدراتها العسكرية لم يحسم مستقبل الحركة السياسي والأمني في قطاع غزة، الذي لا يزال مرتبطاً بترتيبات الحكم ونزع السلاح وإعادة الإعمار.
وفي تطور مهم على صعيد إدارة القطاع، أعلنت حماس في يوليو/تموز الماضي حلّ الهيئة الحكومية التي كانت تدير شؤون غزة، والاستعداد لنقل المسؤوليات الإدارية إلى لجنة فلسطينية تكنوقراطية تتولى إدارة القطاع. ويعني ذلك انتقال النقاش من استمرار حكم الحركة المباشر إلى طبيعة الدور الذي يمكن أن تحتفظ به في المرحلة المقبلة.
ولا تزال ملفات نزع سلاح حماس، والوجود العسكري الإسرائيلي، وترتيبات الأمن والإدارة، وإعادة الإعمار، من أبرز القضايا المرتبطة بمستقبل القطاع، في ظل استمرار الخلافات بشأن آليات تنفيذ الترتيبات السياسية والأمنية.
من الهزيمة العسكرية إلى السؤال السياسي
يرتبط توصيف نتائج الحرب بالنسبة إلى حماس بعدة مستويات، تبدأ بحجم الضرر الذي لحق بقدراتها القتالية، وتمتد إلى قدرتها على الحفاظ على نفوذها داخل المجتمع الفلسطيني، وصولاً إلى مدى مشاركتها في أي ترتيبات سياسية أو أمنية مقبلة.
وتشير تحليلات حديثة إلى أن القدرات العسكرية للحركة تعرضت لضربات كبيرة، بينما بقيت لديها، رغم ذلك، قدرة على الاحتفاظ بدرجة من الحضور المحلي والتكيف مع الظروف الميدانية. كما أن تراجع مؤسسات الحكم التابعة لها لا يعني بالضرورة اختفاء نفوذها السياسي أو الاجتماعي بصورة فورية.
وبذلك، فإن إضعاف البنية العسكرية للحركة لا يؤدي تلقائياً إلى إنهاء نفوذها السياسي، خصوصاً إذا لم تُحسم طبيعة السلطة البديلة وآليات فرض الأمن وإدارة الخدمات داخل القطاع.
من يحكم غزة بعد الحرب؟
أصبحت مسألة إدارة غزة في المرحلة المقبلة أكثر ارتباطاً بترتيبات فلسطينية وإقليمية ودولية، بعد إعلان حماس استعدادها لنقل المسؤوليات الإدارية إلى لجنة تكنوقراطية.
وتشير هذه الخطوة إلى فصل أكبر بين إدارة الشؤون المدنية وبين الحركة، إلا أن ذلك لا يحسم تلقائياً مسألة نفوذها السياسي أو العسكري، ولا يجيب عن طبيعة الترتيبات الأمنية التي سترافق المرحلة الانتقالية.
كما أن نجاح أي إدارة بديلة سيبقى مرتبطاً بقدرتها على توفير الخدمات الأساسية، وضبط الأمن، وبدء إعادة الإعمار، إلى جانب التوصل إلى صيغة مقبولة بشأن سلاح الفصائل والوجود العسكري الإسرائيلي.
إعادة الإعمار عقدة إضافية
ولا يزال ملف إعادة إعمار القطاع أحد أبرز التحديات، في ظل حجم الدمار الذي خلفته الحرب وتعقيدات إدخال مواد البناء والمعدات اللازمة لإعادة تأهيل المساكن والبنية التحتية.
وتشير معطيات حديثة إلى أن إعادة الإعمار لم تحقق تقدماً واسعاً، بينما لا تزال أجزاء كبيرة من القطاع تعاني من أضرار شديدة ونقص في المساكن، ما يجعل أي ترتيبات سياسية مستقبلية مرتبطة أيضاً بالقدرة على معالجة الوضع الإنساني والخدمي.
الخلاف داخل إسرائيل حول معنى «هزيمة حماس»
وفي إسرائيل، لا يُنظر إلى مفهوم «هزيمة حماس» باعتباره نتيجة ذات معيار واحد، إذ يمكن قياسه بتدمير القدرات العسكرية للحركة، أو إنهاء قدرتها على إدارة القطاع، أو منعها من إعادة بناء بنيتها العسكرية والتنظيمية مستقبلاً.
وتكشف هذه المعايير عن فجوة بين تحقيق أهداف عسكرية وبين إنتاج واقع سياسي مستقر، إذ إن إضعاف الحركة عسكرياً لا يضمن وحده ظهور سلطة بديلة قادرة على إدارة غزة ومنع عودة التوتر.
كما أن استمرار العمليات العسكرية أو السيطرة الأمنية على مناطق من القطاع يطرح تحديات تتعلق بالكلفة العسكرية والاقتصادية والسياسية، في وقت تتواصل فيه الضغوط بشأن مستقبل غزة وترتيبات الحكم فيها.
الانتخابات الإسرائيلية تضيف بعداً سياسياً
وتتزامن هذه النقاشات مع اقتراب الانتخابات العامة في إسرائيل، المقرر إجراؤها في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026، ما يجعل نتائج الحرب وسياسات الحكومة تجاه غزة جزءاً من النقاش السياسي الداخلي.
ويبقى السؤال الأساسي في المرحلة المقبلة مرتبطاً بما إذا كان الانتقال من الحرب إلى ترتيبات سياسية قادراً على إنتاج إدارة مستقرة للقطاع، وكيف ستتعامل الأطراف المختلفة مع ملف سلاح حماس، والوجود العسكري الإسرائيلي، ودور السلطة الفلسطينية، وإعادة الإعمار.
وبينما تراجعت قدرة حماس على إدارة غزة بصورة مباشرة بعد نقل المسؤوليات الحكومية إلى لجنة تكنوقراطية، فإن مستقبل نفوذ الحركة لا يزال مرتبطاً بمسار التسوية السياسية والأمنية، وبمدى نجاح الترتيبات الجديدة في ملء الفراغ الإداري والأمني الذي خلفته الحرب.




